صديق الحسيني القنوجي البخاري
526
فتح البيان في مقاصد القرآن
غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » « 1 » والحديث أخرجه الشيخان . ثم علل ذلك بقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت وفي كل شيء ، فمن جاوز ما أمره اللّه به في شيء من الأشياء فقد اعتدى ، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولا أوليا ، ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا أو إدراك ما هو محال في نفسه ، أو يطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة أو يرفع صوته بالدعاء صارخا به . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 56 ] وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ نهاهم اللّه سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه قليلا كان أو كثيرا ، ومنه قتل الناس وتخريب منازلهم وقطع أشجارهم وتغوير أنهارهم ، ومن الفساد في الأرض الكفر باللّه والوقوع في معاصيه بَعْدَ إِصْلاحِها أي بعد أن أصلحها اللّه بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتقرير الشرائع قاله الحسن والسدي والضحاك والكلبي ، وقيل بعد إصلاح اللّه إياها بالمطر والخصب . وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً فيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفا وجلا طامعا في إجابة اللّه لدعائه ، فإنه إذا كان عند الدعاء جامعا بين الخوف والرجاء ظهر بمطلوبه ، قال القرطبي : أمرنا اللّه تعالى بأن يكون العبد وقت الدعاء في حال ترقب وتخوف وأمل في اللّه حتى يكون الخوف والرجاء للانسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته ، وإذا انفرد أحدهما هلك الإنسان فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه . والخوف الانزعاج في الباطن من المضار التي لا يؤمن من وقوعها وقيل توقع مكروه فيما بعد والطمع توقع حصول الأمر المحبوب في المستقبل قال ابن جريج : معناه خوف العدل وطمع الفضل وقيل خوفا من الرياء وطمعا في الإجابة . قال بعض أهل العلم : ينبغي للعبد أن يغلب الخوف حال حياته فإذا جاء الموت غلب الرجاء قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه تعالى » « 2 » ، أخرجه مسلم ، والآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء والثانية في بيان فائدة الدعاء .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 131 ، والمغازي باب 38 ، والدعوات باب 51 ، والقدر باب 7 ، والتوحيد باب 9 ، ومسلم في الذكر حديث 44 ، 45 ، وأبو داود في الوتر باب 26 ، والترمذي في الدعوات باب 57 ، وأحمد في المسند 4 / 394 ، 402 ، 418 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 81 ، 82 ، وأبو داود في الجنائز باب 13 ، وابن ماجة في الزهد باب 14 ، وأحمد في المسند 3 / 293 ، 315 ، 325 ، 330 ، 334 ، 390 .